علي بن أحمد المهائمي

707

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

صورة الحقّ والإنسان على الصّورتين فلا يكون ثمّة مزاج لا يدرك إلّا الأمر الواحد من كلّ شيء ، بل ثمّة مزاج يدرك الطّيّب من الخبيث ، مع علمه بأنّه خبيث بالذّوق طيّب بغير الذّوق ، فيشغله إدراك الطّيّب منه عن الإحساس بخبثه ، هذا قد يكون . وأمّا رفع الخبيث من العالم أي من الكون فإنّه لا يصحّ ، ورحمة اللّه في الخبيث والطّيب . والخبيث عند نفسه طيّب والطيّب عنده خبيث . فما ثمّة شيء طيّب إلّا وهو من وجه في حقّ مزاج ما خبيث : وكذلك بالعكس ] . وأشار إلى سبب ذلك بما ( وصفهم بالخسران ) للأصل ، ( فقال : أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [ العنكبوت : 52 ] ) بطريق الحصر ، ثم بيّن أنه خسران الأصل الذي به إنسانيتهم ، فقال : ( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [ الأنعام : 12 ] ؛ لخسران إنسانيتهم بفوات الإدراك ، ( فإنه لم يدرك الطيب من الخبيث فلا إدراك له ) ، والحب فرع الإدراك ، وهو بقدر الإنسانية ، وهي بقدر البقاء على الفطرة ، ( فما حبب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا الطيب من كل شيء ) « 1 » ؛ لكمال بقائه على الفطرة التي هي أنسب للأصل ، فيحب بهذه المناسبة ما بقي على الأصل ، وإن كان ( ما ثمة ) أي : في الأصل ( إلا هو ) ، أي : الطيب باعتبار مظهرية الحق ، ونظر الكامل إنما يكون إلى الأصل ، لكنه مع ذلك إنما يحب ما لم يتغير عنه ، وينظر إلى التغيرات بمزاجه الذي يناسبه ، والكامل من المزاج ، وإن كان يدرك الأصل باعتبار رجوعه إلى الوحدة عند إنكار طبائع أجزائه ، لكن ( هل يتصور أن يكون في العالم مزاج لا ) يدرك ( إلا الطيب من كل شيء ) بحيث ( لا يعرف الخبيث أم لا ، قلنا : هذا ) وإن أمكن عقلا ( لا يكون ) موجودا ، فإن غاية أمر المزاج في ترك الطبائع المختلفة ، والأخذ في الوحدة أن يتشبه بالأصل الذي وجد منه ، لكن ليس هذا في ذلك . ( فإن ما وجدناه في الأصل الذي ظهر منه العالم ) الذي من جملته المزاج ، ولما توهم من الأصل هاهنا الهيولى أو العناصر ، قال : وَهُوَ الْحَقُّ [ محمد : 2 ] ، بل وجدنا فيه ما يدل على إدراكه الخبيث والطيب ، ( فوجدناه يكره ) شيئا ( ويحب ) شيئا آخر ، ( وليس الخبيث إلا ما يكره ، ولا الطيب إلا ما يحب ، والعالم على صورة الحق ) ، فوجب في حقه التمييز بينهما كالأصل ( والإنسان على الصورتين ، فلا يكون ) فيه ما ليس منهما ، والمزاج من جملة ما في الإنسان ، فلا يكون ( ثمة ) أي : في الإنسان ( مزاج لا يدرك إلا الأمر الواحد ) وهو الطيب ( من كل شيء ) بحيث لا يعرف الخبيث أصلا ، ( بل ) غاية ما في الباب

--> ( 1 ) سبق تخريجه .